السبت، 1 فبراير 2014

البــاب الخامس عشر في ذكر الإمام محمد الجواد "رضي الله عنه"




من أروع صور الفكر والعلم في الإسلام الإمام أبو جعفر الثاني محمد الجواد (عليه السلام) الذي حوى فضائل الدنيا ومكارمها، وفجر ينابيع الحكمة والعلم في الأرض، فكان المعلّم والرائد للنهضة العلمية، والثقافية في عصره، وقد أقبل عليه العلماء والفقهاء، ورواة الحديث، وطلبة الحكمة والمعارف، وهم ينتهلون من نمير علومه وآدابه.
لقد كان هذا الإمام العظيم أحد المؤسسين لفقه أهل البيت (عليهم السلام) الذي يمثل الإبداع والأصالة وتطور الفكر.
ودلّل الإمام أبو جعفر الجواد (عليه السلام) بمواهبه وعبقرياته، وملكاته العلمية الهائلة التي لا تُحدّ على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أن الإمام لابد أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم من دون فرق بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، فإن الله أمدّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالعلم والحكمة وفصل الخطاب كما أمدَّ أُولي العزم من أنبيائه ورسله.
لقد برهن الإمام الجواد (عليه السلام) على ذلك فقد تقلّد الإمامة والزعامة الدينية بعد وفاة أبيه الإمام الرضا (عليه السلام) وكان عمره الشريف لا يتجاوز السبع سنين، إلا أن الإمام الجواد (عليه السلام) وهو بهذا السنّ قد خرق العادة.
وعاش الإمام محمد الجواد (عليه السلام) في تلك الفترة من حياته متجهاً صوب العلم فرفع مناره، وأرسى أصوله وقواعده، فأستغل مدّة حياته في التدريس ونشر المعارف والآداب الإسلامية وقد احتفّ به جمهور كبير من العلماء والرواة وهم يأخذون منه العلوم الإسلامية من علم الكلام والفلسفة، وعلم الفقه، والتفسير.
وأحيط الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بهالة من الحفاوة والتكريم، وقابلته جميع الأوساط بمزيد من الإكبار والتعظيم، فكانت ترى في شخصّيته امتداداً ذاتياً لآبائه العظام الذين حملوا مشعل الهداية والخير إلى الناس، إلا أنه لم يحفل بتلك المظاهر التي أحيط بها، وإنما آثر الزهد في الدنيا والتجرد عن جميع مباهجها، على الرغم من أن الإمام الجواد (عليه السلام) لم يلق أي ضغط اقتصادي طيلة حياته وإنما عاش مرفّهاً عليه غاية الترفيه.
ولكن سمو شخص الإمام الجواد (عليه السلام) وعلو مقامه الشريف مما جعل الخليفة العباسي المعتصم يضيّق على الإمام وأرغمه على مغادرة يثرب والإقامة الجبرية في بغداد، ومن ثم دسّ إليه السم، وكان الإمام في غضارة العمر وريعان الشباب.
روى السيد البحراني بإسناده عن علي بن مهزيار، قال: (رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) ليلة الزيارة طاف طواف النساء وصلّى خلف المقام ثم دخل زمزم فاستقى منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر وشرب منه وصبّ على بعض جسده ثم اطلع في زمزم مرّتين)

وروي عنه قال: (رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النّحر حتى يرمي الجمرة ثم ينصرف راكباً وكنت أراه ماشياً بعد ما يحاذي المسجد بمنى قال: وحدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن الحسن بن صالح عن بعض أصحابه قال: نزل أبو جعفر (عليه السلام) فوق المسجد بمنى قليلاً عن دابّته حتى توجّه يرمي الجمرة عند مضرب علي بن الحسين (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك لِمَ نزلت هاهنا؟ فقال: إن هذا مضرب علي بن الحسين ومضرب بني هاشم وأنا أحبّ أن أمشي في منازل بني هاشم.
ومن مناجاته (عليه السلام) في طلب الحجّ: (اللهمّ ارزقني الحجّ الذي افترضته على من استطاع إليه سبيلاً واجعل لي فيه بُعد المسالك وأعنّي على تأدية المناسك وحرّمْ بإحرامي على النار جسدي وزد للسّفر قوّتي وجلدي وارزقني ربّ الوقوف بين يديك والإفاضة إليك وأظفرني بالنّجح بوافر الربح وأصدرني ربّ من موقف الحجّ الأكبر إلى مزدلفة المشعر واجعلها زلفةً إلى رحمتك وطريقاً إلى جنّتك وقفني موقف المشعر الحرام ومقام وقوف الإحرام وأهّلني لتأدية المناسك ونحر الهدي المتوامك بدمٍ يثجّ وأوداجٍ تمجّ وإراقةِ الدماء المسفوحة والهدايا المذبوحة وفري أوداجها على ما أمرت والتنفّل بها كما رسمت وأحضرني، اللهمّ صلاة العيد راجياً للوَعْدِ خائفاً من الوعيد حالقاً شعر رأسي ومقصراً ومجتهداً في طاعتك مستمرّاً رامياً للجمار بسبع بعد سبع مِن الأحجار وأدخلني اللهمّ عَرْصَةَ بيتِك وعفوتك ومحلّ أمنك وكعبتك مشاكيك وسؤالك ومماديحك وجُدّ عليّ اللهمّ بوافر الأجر من الانكفاء والنّفر والأجر واختم اللهمّ مناسك حجّي وانقضاء عجّي بقبولٍ منك ورأفةٍ منك بي يا أرحم الراحمين)

ومن مناجاته (عليه السلام) بكشف الظلم: (اللهمّ إنّ ظلم عبادك قد تمكّن في بلادك حتى أمات العدل وقطع السّبل ومحق الحقّ وأبطل الصدق وأخفى البرّ وأظهر الشرّ وأخمد التّقوى وأزال الهدى وأزاح الخير وأثبت الضّير وأنْمى الفساد وقوّى العناد وبسَط الجور وعدّى الطّور.
اللهمّ يا ربّ لا يكشف ذلك إلاّ سلطانك ولا يجير منه إلاّ امتنانك، اللهمّ ربّ فابتر الظّلم وبثّ جبال العشم واخمد سوق المنكر وأعزّ من عنه ينزجر واحصد شأفة أهل الجور وألبسهم الجور بعد الكور، وعجّل اللهمّ إليهم البيات وأنزل عليهم المثلات وأمت حياة المنكرات ليؤمن المخوف ويسكن الملهوف ويشبع الجائع ويحفظ الضائع ويأوى الطريد ويعود الشريد ويغنى الفقير ويجار المستجير ويوقّر الكبير ويرحمم الصغير ويعزّ المظلوم ويذلّ الظالم ويفرّج المغموم وتنفرج الغمّاء وتسكن الدهماء ويموت الاختلاف ويعلو العلم ويشمل السّلم ويجمع الشّتات ويقوى الإيمان ويُتلى القرآن إنّك أنتَ الديّان المنعم المنّان)
ومما قيل عن الإمام الجواد رضي الله عنه :
قال محمد بن طلحة الشافعي: (وإن كان صغير السنّ فهو كبير القدر، رفيع الذكر)
قال سبط ابن الجوزي: (وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد، والجود)
• قال ابن الصبّاغ المالكي: (وإن كان صغير السنّ فهو كبير القدر، رفيع الذّكر، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا ولده، أبو جعفر محمد الجواد للنصّ عليه والإرشاد له بها من أبيه كما أخبر بذلك جماعةٌ من الثّقات العدول)
قال الشيخ محمود الشيخاني: (وكان محمد الجواد (رضي الله عنه) جليل القدر، عظيم المنزلة...
قالوا: إنّ كراماته ومكاشفاته كثيرة لا يحمله الدفاتر ومن كمال علمه أنه غلب في طفوليّته قاضي المأمون وهو يحيى بن أكثم)
وقال (عليه السلام) ـ في جواب رجل قال له: أوصني بوصيّة جامعة مختصرة ـ فقال (عليه السلام) له: صُن نفسك عن عار العاجلة ونار الآجلة).

ليست هناك تعليقات: